القانون والشرع

حكى لي صديق عزيز مرة أنه وأفراد أسرته كانوا مجتمعين يوم عقد قران أخته. ولما شرع أحد العدلين في تحرير عقد الزواج، سأل عن ولي أمر الفتاة التي كانت راشدا. فبحكم أن صديقي هذا وإخوته تلقوا تعليما عاليا وفكرا حداثيا متقدما، فقد استغرب الجميع من طلب العدل ونبهه بعضهم إلى أن مدونة الأسرة تقول في جزء من المادة الـ25 إن: “للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها”.

فما كان من العدل أن أجابه بهدوء: “هذاك راه القانون.. حنا كنطبقو الشرع”. والحال أن المجتمع المغربي برمته عالق في الفجوة غير المرئية الموجودة بين هذين المفهومين: القانون والشرع.

القانون هنا بمعنى التشريعات التي يضعها مجتمع بشري ما لضبط العلاقات بين من يعيشون فيه ومختلف مؤسساته. والشرع بمعنى تأويلات الفقهاء ورجال الدين، أو من يعتبرون أنفسهم كذلك، للنصوص الدينية المختلفة.

وتكمن خطورة هذه الازدواجية، في تقديري، في ما يلي:

أولا، القانون والشرع يتفاوتان في سرعة الحركة والتأقلم مع مستجدات المجتمع. فالأول، بحكم أنه صنع بشري، يتحرك ويتغير بسرعة حتى في المجتمعات المحافظة التي تخشى التغيير، وذلك وفق متطلبات السياق والمزاج المجتمعي، والظروف السياسية الداخلية وحتى الخارجية، بينما الثاني يميل إلى الجمود ويتبرم من أي حركة أو تغيير، خاصة في المجتمعات التي تغلب فيها المحافظة، ويبسط فيها الخطاب الديني سلطته على لاوعي الناس قبل وعيهم.

ثانيا، يميل هذا القانون ـ الذي يكون في بعض الأحيان متقدما على المجتمع في المغرب مثل مدونة الأسرة نفسها وحتى الدستور الحالي ـ إلى البقاء سجينا بين ثنايا الأوراق التي حرر عليها، وحتى إن تم تنزيله، فإن ذلك يتم وفق ما يسميه عبدالله العروي “التأويل السلفي”، الذي يجعله مجردا أو رافدا صغيرا من روافد “الشرع”، وتابعا من أتباعه.

أما هذا “الشرع” فله قدرة عجيبة في مجتمع مثل المجتمع المغربي، على التسلل إلى كل مناحي حياة الناس، وكل معاملتهم، إذ تجده في دروس الوعّاظ بالمساجد، وفتاوى الفقهاء والمدّعين، في الإذاعات، وفي المواقع التي لا تكف عن التكاثر مثل السرطان، وحتى في وصفات المشعوذين..

ثالثا، حين يتواجه “القانون” مع “الشرع” في نازلة ما، فغالبا ما يعطي المجتمع المغربي المحافظ “الغلبة” للشرع النازل عليه من سماء تأويلات الفقهاء وغير الفقهاء، على حساب “القانون” المنبثق منه، ومن “مؤسساته”.

رابعا، هذه الازدواجية خلقت لنا ومازالت تخلق كائنا مصابا بنوع نادر من “الشيزوفرنيا”، تجعله يعيش بـ(‘أنا’يين) يقوم الواحد منهما في بعض الأحيان بعكس ما يقوم به الثاني، كأن يتحدث عن حق المرأة في المساواة مع الرجل في كل شيء، ويتشبث في الآن ذاته، بمكتسباته في الإرث ويدافع عن عدم المساواة فيه، بدعوى وجود نص ديني صريح وحاسم لهذا الأمر.

كما خلق لنا ومازال يخلق كائنا مكبلا بقيود لا يراها، مثقلا بأثقال ولا يراها، وحتى إن أحس بها، فهو يخشى التخلص منها.

التعليقات مغلقة.